صوت الأجداد يضيع في ضجيج الحاضر
- عبدالمنعم البلوي
- المؤسس
- مشاركات: 2
- اشترك في: 25/04/01 18:35
صوت الأجداد يضيع في ضجيج الحاضر
قبيلة بلي، كباقي قبائل العرب، لم تكن تكتب تاريخها على الورق، بل نقشته في الذاكرة، وحملته الألسن. كانت الرواية الشفهية كنزها المخبوء، وصندوقها الأسود، تحفظ فيه ما لا تحفظه الكتب: حسّ المكان، حرارة الحدث، ونبرة الراوي التي لا يُمكن نسخها.
لكن الزمان تغيّر.
أين ذهبت تلك المجالس؟ أين أولئك الرواة الذين كانوا يعرفون القصص كما يعرفون أسماء النجوم؟ صار السمر نادرًا، والمجالس أصواتًا صامتة، يشغلها وهج الشاشات لا دفء الحكايات. انفرط عقد السرد، وانكسر السياق. اختفى الفتى الذي كان يسأل "ثم ماذا حدث؟"، وجاء آخر لا يصبر أكثر من خمس ثوانٍ قبل أن يُمرّر إصبعه على شاشة زرقاء.
الأسطورة التي لم تُكتب، صارت على حافة الفقد. لم توثق، لم تُسجّل، لم تُعطَ حقها. مات بعض الرواة، وتبخّر معهم إرثٌ لا يُعوّض. وحتى من بقي منهم، بات يشعر أن لا أحد يريد أن يسمع، أن لا أحد يفهم لذة الانتظار في قصة تُروى على مهل.
ولم يكن الخطر في ضياع القصص فحسب، بل في ضياع ما وراء القصص: القيم، الحكم، الفهم العميق للحياة من خلال رواية بسيطة أو مثل شعبي أو حكاية بطولية. كان السرد الشفهي مدرسة، ومرآة، وجسرًا بين الأجيال.
الآن، القبيلة تواجه سؤالًا صعبًا: كيف نحفظ ما لم نكتبه؟ كيف نعيد الحياة لحكايات تكاد تنطفئ؟
الجواب لا يكمن في الحنين فقط، بل في الفعل: أن نبحث عن الرواة الباقين، نسجل أصواتهم، ندوّن حكاياتهم، نعلّم أبناءنا أن يستمعوا، لا أن يكتفوا بالمشاهدة. أن نُعيد للمجالس هيبتها، ولو عبر الميكروفون والتوثيق، فالصوت لا يموت إن وجد من يُنصت له.
ولعلنا إن أنصتنا جيدًا، نسمع صوت الشيخ من جديد، يحكي تحت القمر، في مجلس عربي أصيل، يبدأ بجملة لا يملّها الزمن.
لذلك اعددنا هذا القسم لتدوينها للاجيال القادمة كجزء من تاريخهم العريق.
مع فائق تحياتي
عبدالمنعم جابر البلوي
عبدالمنعم جابر البلوي