تاريخ بلي القديم

أحمد القتوري البلوي .. رجل كان كالجمل

أحمد القتوري البلوي صاحبنا:
هذا الرجل كان كالجمل المحتمل يريبك مجموعه، ويهولك مرئيه ومسموعه، فإذا زمزم الحادي سالت من الرقة دموعه، فظاهره جسم جسيم، وللزرافة قسيم، وباطنه في اللطافة نسيم، وروض يرتاده مسيم؛ سكن البادية خيرا عفيفا، ومن المؤن خفيفا، يرتاح إلى عقائل الآداب ارتياح قيس إلى ليلى، ويميل به الغبيط إلى الاغتباط ميلا، وكلما ظفر بها يوما أو ليلا، طفف كيلا، وجمع ثريا وسهيلا، ثم راح المشرق، وعشا إلى نوره المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق، وغفلة من الزمان المطرق، فحج وزار، وطرح الأوزار، واستسقى السحب الغزار، ودون رحلته فأحسن وأطرف، وحلى وعرف، وقفل مغربا بتشريقه، وكتب عن بعض الملوك الكبار بطريقه، ثم ارتسم في حزب القضاء وفريقه، وأدبه مشتمل على نثر ونظم، ولحم وعظم، ولنثره على نظمه شفوف، والى اللحاق بذي الإجادة خفوف؛ فمن شعره:

.restore td {
border: 0;
padding: 0px;
}

الـلـه أكـبـر حـبـذا إكـبــاره=
هذا الشفـيع لـنـا و هـذي داره
لاحت معالم يثـرب وربـوعـهـا=
مثوى الـرسـول وداره وقـراره
هذا النـخـيل وطـيبة ومـحـمـد=
خير الورى طراً وهـاأنـا جـاره
هذا المصلى والبقيع وهـا هـنـا=
ربـع الـحـبـيب وهـذه آثــاره
هذي منازله المعظمة التي=
جبـريل ردد بـينـهـا تـكـراره
هذي مواضع مهبط الوحي الـذي=
تشفي الصدور من العمى أسطاره
هذي مواطئ خير من وطئ الثرى=
وعلا على السبع العلا استقـراره
ملأ الوجـود حـقـيقة إشـراقـه=
فأضـاء مـنـه لـيلـه ونـهـاره
والروضة الفيحاء هب نسـيمـهـا=
والبان بـان ونـم مـنـه عـراره
وتعطرت سلع فسل عـن طـيبـهـا=
لم لا تطـيب وبـينـهـا مـخـتـاره
بشراك يا قلبي فقد نلـت الـمـنـى=
وبلغت ما تـهـوى ومـا تـخـتـاره
وتجل يا طرفـي فـيالـك نـاظـراً=
أبصرت طيبة فانقـضـت أوطـاره
قد أمكن الـوصـل الـذي أمـلـتـه=
وكذاك حـبـي أمـكـنـت أسـراره
قد كان عندي لوعة قـبـل الـلـقـا=
والآن ضاعف لوعـتـي أبـصـاره
رفقا قليلا يا دمـوعـي اقـصـري=
فالدمع يحسن في الهوى اقـصـاره
قد كانت الدمن الكريمة فـي غـنـى
عن أن يفـيض بـربـعـهـا تــياره
أيضيع من زار الحبـيب وقـد رأى=
أن الـمـزور بـبــالـــه زواره
أيخيب من قصد الـكـريم وعـنـده=
حسـن الـرجـاء شـعـاره ودثـاره
!أيؤم بـابـك مـسـتـقـيل عـاثـر=
فيرد عـنـك ولا تـقـال عـثــاره
حاشا جـلالـك أن يؤمـلـه امـرؤ=
فيعود صـفـرا خـيبـت أسـفـاره
يا سيد الإرسال ظـهـري مـثـقـل=
فعسى تخـف بـجـاهـكـم أوقـاره
رحماك فـيمـن أوبـقـتـه ذنـوبـه=
فكـأنـمـا إقـبـالـــه أدبـــاره
لبس الصغار وقـد تـعـاظـم وزره=
والعفـو تـصـغـر عـنـده أوزاره
شط المـزار ولا قـرار وشـد مـا=
يلقى محـب شـط عـنـك مـزاره
وافـى حـمـاك يفـر مـن زلاتـه=
والـيك يا خـير الأنــام فـــراره
ب واتاك يلتمس الشفاعة والرجا=
يقـتـاده وظـنـونـه أنـصـــاره
والعبـد مـعـتـذر ذلـيل خـاضـع=
ومقـصـر قـد طـولـت أعـذاره
متوسـل قـد أغـرقـتـه دمـوعـه=
متـوصـل قـد أحـرقـتـه نــاره
قذفـت بـه فـي غـربة أوطـانـه=
ورمـت بـه لـعـلائكـم أوطـاره
فامنن وسامح واعف واصفح واغتفر=
فلانت مـاح لـلـخـطـا غـفـاره
صلى عليك اللـه مـا حـيا الـحـيا=
روض الربى وتـرنـمـت أطـياره

doPoem(0)
ومما نسب لي إلى نفسه، وأربى يومه في الإجادة لديها على أمسه، قوله:

.restore td {
border: 0;
padding: 0px;
}

بعثت خـيالا والـعـواذل هـجـع=
فسـرى ينـم بـه شـذا يتـضـوع
ودنا يعاطيني الحديث علـى دجـى=
كاس الثريا فـي يديه تـشـعـشـع
وكأنمـا الإكـلـيل جـام مـذهـب=
بيواقـت الـجـوزاء فـيه يرصـع
نادمت فيه أخا الـغـزالة جـؤذرا=
يغدو بأكـنـاف الـقـلـوب ويرتـع
في ليلة لا الوصل فـيهـا بـينـنـا=
خجل ولا قلب الـعـفـاف مـروع
رق الهواء بها ورق لي الـهـوى=
فمشى موشـى بـينـنـا ومـوشـع
يا جيرة جار الزمـان بـبـعـدهـم=
ومقرهم مني الحـشـا والأضـلـع
إن كان موضعكم خلا عن ناظـري=
لم يخل منكم في فؤادي مـوضـع
لم تسكـنـوا وادي الأراك وإنـمـا=
قلبي مصيفكم ودمعـي الـمـربـع
والله ما ضحك الربيع بربـعـكـم=
إلا وعـن عـينـي مـزن يهـمـع
وإذا شكوت إلى الصـديق فـانـه=
يسلـيك أو يغـنـيك أو يتـفـجـع
يا بارقا تنـشـق عـنـه سـحـابة=
عن مثل مدمعي السفوح وتـقـلـع
أشبهت من أهوله حسن تبسم=
فأصـبـت إلا انـه هــو انـــع
باللـه خـذ عـنـي تـحـية نـازح=
لم يبق فيه الـيوم فـيمـا يطـمـع
وأقرا على الجزع السلام وسح من=
قطرات دمعك حيث تلـك الأربـع
ما كان أطيب الماضي عيشنا الماضي بها=
لو كـان ذاك الـعـيش فـيهـا يرجــع
أيام نغـفـر لـلـصـبـا ذنـب الـهـوى=
ونشفع الـوجـه الـجـمـيل فـيشـفـع
ما سـرنـي تـبـديد دمـعـي لـؤلــؤا=
وعـهـدتـه بـيد الـحـسـان يجـمــع

doPoem(0)

الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة لسان الدين ابن الخطيب الصفحة : 113


المصدر الأصلي للموضوع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى